ان التاريخ السياسي يتميز بمفارقة قاسية حيث ان فالثورات، التي تولد من رحم الظلم، غالبًا ما تنقلب على مُؤسسيها. “الثورة تلتهم أبناءها”، هكذا يقول المثل، وكأنه تحذير محفور في الذاكرة الجماعية.
ففي موريتانيا، يتردد صدى هذه العبارة لا كاستعارة غريبة، بل كحقيقة مألوفة.
فنادرًا ما كان التغيير في بلادنا ثمرة نضج جماعي سلمي، بل فرض نفسه عبر انقسامات متتالية، مدفوعة بوعود التجديد وخطابات الإنقاذ الوطني.
ذلك لأنه في كل منعطف، آمن الرجال والنساء بإمكانية نظام أكثر عدلًا، متحررًا من أعباء الماضي. فتكلموا حين كان الصمت هو الرد المناسب، وتفاءلوا حين بدا الشك هو الخيار الأسلم. لكن التاريخ، الذي لا يرحم، غالبًا ما كان يُخبئ لهم مصيرًا قاسيًا.
فسرعان ما تنسى السلطة الجديدة، بمجرد اكتمال الانقسام، مناصريها. فيصبح أولئك الذين جسّدوا الجرأة ضمائر مزعجة. فيتحول الثوري، الذي كان مفيدًا في الاحتجاج، إلى مصدر إزعاج بمجرد استتباب النظام. حينها يبدأ التهام صامت: إقصاء، تشويه سمعة، تهميش. ان الثورة لا تضرب دائمًا بالعنف؛ إنها تُنهك، تمحو، وتُدين بالضياع.
ففي موريتانيا، تؤثر هذه الظاهرة بشكل خاص على الشباب الملتزم والناشطين المبدئيين. فحماسهم يُغذي الأمل الجماعي، لكنه سرعان ما يصطدم بحسابات السلطة واستمرار الممارسات القديمة. فيتم استغلال الزخم، وتفريغه من جوهره، بينما تُحصر المُثل في شعارات تذكارية. وهكذا، تبقى الثورة في الخطاب، لكنها تخون قيمها في الواقع.
والأخطر من ذلك، أن الثورة تلتهم أبناءها حين تُعيد إنتاج ما ادّعت إلغاءه. حين تُغير هياكل الهيمنة مظهرها دون أن تُغير جوهرها. مما يكرس ديمومة الإقصاء وتتجدد المظالم وتلاشى وعود التجديد في دوامة من الاستمرارية. أولئك الذين نددوا بالأمس يجدون أنفسهم أسرى صمتٍ قسري، شهوداً مريرين على تاريخٍ يُعيد نفسه.
ان هذه الآلية تُخلّف في بلدٍ يطغى عليه الانقسام العميق والسعي الدؤوب نحو المساواة، عواقب وخيمة. فهي تُرسّخ الشك، وتُؤجّج السخرية، وتُقوّض الثقة الجماعية. فتعلم الشعب بعد أن شهد خيبة الأمل مراراً وتكراراً، فقدان الإيمان فيما تفقد فكرة التغيير نفسها قدرتها على الحشد.
ومع ذلك، فإن إدراك هذه المفارقة المأساوية لا ينبغي أن يُفضي إلى الاستسلام. بل على العكس، ان يفرض مطلباً: ان مطلب تغيير لا يُضحّي بمؤيديه، بل يعتبر تحوّلٌ قائم على مؤسسات راسخة وأخلاقيات سياسية صادقة. ذلمك لأن الثورة الحقيقية لا تخشى النقد، بل تحميه.
ان موريتانيا لا تحتاج إلى ثوراتٍ تلتهم، بل إلى صدوعٍ تبني. إن الثورة التي تتغذى على أبنائها تنتهي حتمًا بنسيانها، تاركةً وراءها شعبًا أكثر خيبةً من ذي قبل.
يدالي إفال
تنبيه : ترحمة غير رسمية




