شكل الحوار الذي استضافته قناة TTV حول “ضريبة المعاملات المالية” نموذجا يحتذى به لما يجب أن يكون عليه النقاش العمومي في مشهدنا السياسي حيث ساد الانضباط والمسؤولية في طرح الأفكار.

وانطلاقا من هذه الأجواء الإيجابية أود تقديم الملاحظات التحليلية التالية:

أولا: خصوصية السياق الضريبي الوطني

لفهم إشكالية الضرائب في بلادنا، يجب الانطلاق من حقيقة جوهرية: إن أي مقارنة مع تجارب دولية أخرى تميل كفتها لصالحنا وذلك لسبب بنيوي بسيط وهو أننا عانينا لسنوات طويلة من “تسيب ضريبي” مزمن.

وبناء عليه فإن أي خطوة إصلاحية اليوم -مهما بدت صارمة- ستظل في مستواها الإجمالي دون الأعباء الضريبية في الدول التي تكافح “التهرب الضريبي”، فالفارق شاسع بين تهرب من نظام قائم وبين تسيب في نظام كان يفتقر أصلا للضبط.

ثانياً: الموازنة بين التكاليف والمنافع العامة

من المسلمات الاقتصادية أن أي إصلاح هيكلي يرتب تكاليف معينة قد تنجم عنها آثار جانبية، وهنا تبرز أهمية الموازنة بين الضرر الجزئي والنفع الكلي.

إنني أرجح -من منظور المصلحة العامة- كفة تعزيز موارد الدولة على تركيز الثروة لدى فئة محدودة من الأفراد، حيث تميل الثروات الخاصة غالبا للتدوير في نطاقات أسرية أو استهلاكية ضيقة بينما تمكن العائدات الضريبية الدولة من بناء المدارس، وتشييد الطرق، وخلق فرص عمل متاحة لجميع المواطنين على حد سواء.

ثالثا: وهم العودة إلى “الاقتصاد النقدي” (الكاش)

إن التخوف من تراجع “الرقمنة المالية” أو التهديد بالعودة إلى التعاملات النقدية هو تخوف لا يستند إلى واقع عملي متين:

* للمواطن العادي: لن تشكل الاقتطاعات الطفيفة عائقا أمام استمراره في استخدام المحافظ الإلكترونية لما توفره من سهولة ويسر.

* للجهات الاقتصادية الكبرى: يدرك الفاعل الاقتصادي بوعيه البراغماتي أن تكلفة الضريبة تظل أقل بكثير من “تكلفة الفرصة البديلة” ومن مخاطر العودة للأساليب التقليدية.

فالعودة إلى طوابير البنوك وعمليات العد اليدوي والمخاطر الأمنية الملازمة لنقل الأموال فضلا عن أزمات السير والمخالفات المرورية في المناطق المزدحمة هي أعباء لوجستية وتكاليف خفية تفوق قيمة الضريبة المقتطعة.

ختاما، يبقى التحول الرقمي قدرا لا رجعة فيه، والضريبة العادلة هي المحرك الأساسي لعجلة التنمية المستدامة.

أحمد آبه محمدو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *