في الحياة السياسية، ليست كل النهايات الزمنية نهاياتٍ للتجارب الناجحة، وليست كل التحولات الدستورية ضمانةً لتحولات أفضل. فقد يبلغ الوطن، في ظل قيادة معينة، مرحلة من الاستقرار والإصلاح وتراكم الإنجازات تجعل التفكير في تغييرها مسألة تتجاوز الحسابات الإجرائية، لتصبح قضية تتصل بمستقبل الدولة، ومصالح المجتمع، ومصير المكتسبات الوطنية.
إن المأمورية الدستورية، على أهميتها في تنظيم تداول السلطة وترسيخ دولة القانون، لا تلغي حقيقة أن بعض الحكومات تنجح في بناء رصيد استثنائي من الإنجازات، ولا أن بعض المراحل التاريخية تتطلب قدرًا عاليًا من الاستمرارية لتكتمل فيها المشاريع، وتنضج الإصلاحات، وتتحول السياسات إلى نتائج راسخة يصعب التراجع عنها.
إن ما يشغلني في هذه المسألة ليس مجرد النقاش حول نهاية مأمورية دستورية أو بداية أخرى، بل السؤال الأعمق المتعلق بمصير المشاريع التي بدأت، وبقدرتنا على ضمان ألا تتحول التحولات السياسية إلى قطيعة مع مسارات تنموية احتاجت إلى سنوات حتى تتشكل ملامحها واستُثمرت فيها موارد الدولة وآمال المواطنين.
إن الخشية من تداعيات التغيير ليست بالضرورة رفضًا للتداول السلمي للسلطة، بل قد تكون تعبيرًا عن قلق مشروع من المجهول، خصوصًا عندما تكون التجربة القائمة قد أثبتت قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة بينما لا تتوافر ضمانات كافية بأن البديل سيحافظ على الاتجاه نفسه أو يواصل البناء بالفاعلية ذاتها.
ومع ذلك، فإن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرة رئيس على الإنجاز، وإنما بقدرة هذ الرئيس على تحويل إنجازاته إلى مؤسسات وسياسات مستدامة. ولذلك، فإن الدفاع عن الاستقرار لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لتعليق الدستور أو تجاوز أحكامه، بل إلى حافز للبحث عن السبل الدستورية التي تصون المكتسبات، وتضمن استمرارية الإصلاح، وتمنع أن يكون الانتقال السياسي سببًا في إهدار ما تحقق.
فالأوطان أكبر من الأشخاص، والإنجازات الحقيقية لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء مأمورية أصحابها. وإذا كان الوفاء للتجارب الناجحة يقتضي تثمينها، فإن الوفاء للوطن يقتضي أيضًا احترام قواعده الدستورية، وبناء مؤسساته على نحو يجعل استمرار النجاح ممكنًا، مهما تغيرت القيادات.
فالحكمة السياسية لا تكمن في تعديل الدستور لمجرد تحقق الإنجازات، كما لا تكمن في التعامل مع قواعده باعتبارها غاية منفصلة عن الغايات التي وُضعت من أجلها. وإنما تكمن في القدرة على التوفيق بين احترام الشرعية الدستورية، وصون المكتسبات الوطنية، وضمان استمرارية الإصلاح، وتفادي المخاطر التي قد تنشأ عن الاستمرار أو الانتقال على حد سواء.
فإذا كانت الاستمرارية قد تحمل مخاطر حين تتحول إلى غاية في ذاتها، فإن التغيير قد يحمل مخاطر بدوره حين لا تواكبه ضمانات مؤسسية وسياسية كافية. وبين هذين الاحتمالين، تبرز مسؤولية النخب الوطنية في البحث عن حلول تجعل استقرار الدولة واستدامة إنجازاتها أكبر من تسجيل نقاط لحظية.
فهل تستطيع طبقتنا السياسية، بموالَاتها ومعارضتها، وهيئاتنا المدنية، من خلال الحوار الوطني المرتقب، أن ترتقي إلى مستوى هذه المسؤولية، وأن تقدم تصورًا وطنيًا يوازن بين مقتضيات الاستقرار وضمانات التداول، ويحمي استمرار المكتسبات والإنجازات دون المساس بأسس الشرعية الدستورية؟


